تفريغ شريط : ( رُحماء بينهم )
كتبهاskon ، في 1 نوفمبر 2008 الساعة: 12:15 م
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ..
أسأل المولى أن ينفعنا بما وفقنا في تلخيص تفريغٍ لشريط
( رحمـــــــــــــاء بـيــنــم
لفضيلة الشيخ / صـالـــح بن عواد المغامـســي
( رحماء بينهم )
هذا الجزء من الآية حكاه الله جل وعلا في القرآن منبئاً أنه وصف أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم
ذلكم الجيل الأمثل والرعيل الأول الذين أيد الله بهم دينه ونشر الله بهم ذكره في الأرض
وآزر بهم العضد خير الأنبياء والمرسلين محمداً صلى الله عليه وسلم
فقال ربنا وأخبر أنه أثنى عليهم في كتابين من قبل القرآن من التوراة والإنجيل
فقال جل جلاله ( محمد رسول الله و الذين معه أشد على الكفار رحماء بينهم … الآية)
وهذا الوصف الرباني الذي وصف بهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نحن مقتفون على آثارهم
وملزمون بهدي محمد صلى الله عليه وسلم ومن تبع هديه من أصحابه وأتباعه إلى يوم الدين
لذلك فإن الحديث عن الرحمة وأساليب التراحم بين المؤمنين نرى والله تعالى أعلم من الأمور
التي يجب نشرها للناس وتعليمها للعامة والخاصة وإلا كيف لنا أن نقتدي بالرسول الأعظم
صلى الله عليه وسلم ونقتدي بأصحابه ونحن نجهل أقوالهم ولا ندري عن أفعالهم
فإن التشبه بالصالحين يقرب منهم والمؤمنون أجمعين إنما يتعبدون الله جل وعلا
بما أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم
فذلكم هو الدين الذي أمر الله عباده بأن يتبعوه وأن يتعبدوا به
والحديث عن الرحمة أيها المؤمنون لا يمكن أن يتحدث به أحد دون أن يتكلم فيه عن أمرين جليلين عظيمين
الأول/الحديث عن سعة رحمة ربنا جل جلاله
والثاني/الحديث عن سعة وما كان عليه محمد صلى الله عليه وسلم من رحمة فطره
الله عليها وجبله الله تعالى عليها .
::*::
أما الحديث عن رحمة أرحم الراحمين جل جلاله فإنه ما رحم أحدُ أحداً إلا بفضل من الله ورحمة
و إن الله عز و جل خلق الرحمة مائة جزء ، كما صح الخبر عن الصادق المصدوق صلى الله عليه و سلم ،
فأمسك ربنا تسعة و تسعين جزء عنده ، و أنزل جزءا واحدا يتراحم به الخلائق ،
قال صلى الله عليه و سلم : ( حتى إن الدابة لترفع حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه ، )
من ضمن هذه الرحمة التي أنزلها الله عز و جل للخلق يتراحمون بها فيما بينهم ، و النبي صلى الله عليه و سلم اخبر ،أن الله كتب في كتب و هو عنده تحت العرش ، ( أن رحمتي تغلب غضبي ) ،
( قل لمن ما في السموات و الأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ……. )
بل أخبر جل جلاله أن رحمته لا يضيق بها شيء أبدا ،
قال ( عذابِ أُصيب به من أشاء و رحمتي وسعة كل شيء)
ولذلك كان الصالحون من قبلنا يقولون في دعائهم :
(اللهم إن لم نكن أهلا لأن ترحمنا ، فإن رحمتك أهلٌ لأن تسعنا ) و قد صدقوا فيما قالوه .
::*::
مظاهر رحمة الله
::*::
*رحمة شملت المؤمنين و الكفار ، الأبرار و الفجار ، الخلائق أجمعين ، إنساً و جناً و طيراً و غير ذلك …
فهذه رحمته عز و جل الشاملة .
و من أعظم الدلائل عليها ، خلق الليل و النهار ، و تسخير الشمس و القمر
، و جريان الفلك في البحر بأمر الله تعالى ، تسخيراً لعباده و إنزال المطر رحمة بعباده كل ذلك من رحمة الله
الشاملة للعباد أجمعين .
( ألم ترى إلى ربك كيف مد الظل و لو شاء لجعله ساكن … )
::*::
رحمته تبارك و تعالى بالمؤمنين
::*::
أعظم رحمة أن هداهم للإيمان ،فلا يعدل الإيمان أي نعمة ، لأن الإيمان هو القسيم بين أهل الجنة و أهل النار
، فمن منّ الله عليه بالهداية لدينه ، فقد رحمه الله رحمةً عظيمة من عنده ، و نحن أيها المؤمنون شملنا الله
برحمة أخص ، انه جعلنا من أمة محمد صلى الله عليه و سلم .
فنبينا صلى الله عليه و سلم حظنا من النبيين ، و نحن حظه من الأمم صلوات الله و سلامه عليه بكرة و أصيلا .
رحمة الله لعباده المؤمنين إنما ينال المؤمنون منتهاها إذا زحزحوا عن النار و أدخلوا الجنة ،
قال ربنا : (فمن زحزح عن النار و أدخل الجنة فقد فاز . )
فهذا هو الفوز العظيم ، ورحمة الله تبارك و تعالى إنما تتجلى أعظم ما تتجلى ، في يوم الفزع الأكبر ، و في عرصات يوم القيامة ، عندما يقف الخلائق أجمعين ، بين يدي رب العالمين جل جلاله .
عن أبي سعيد الخدري
( قال: قلنا يا رسول الله ، هل نرى ربنا يوم القيامة ،؟
قال : هل تضارون في رؤية الشمس و القمر إذا كانا صحوا ، قلنا لا ، قال : فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ إلا كما تضارون في رؤيتهما ، ثم قال ينادي منادي ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون ، فيذهب
أصحاب الصليب مع صليبهم ، و أصحاب الأوثان مع أوثانهم ، و أصحاب كل آهلة مع آلهتهم ، حتى يبقى
من كان يعبد الله من بر و فاجر وغبرات من أهل الكتاب ، ثم يؤتى بجهنم ، عرض كأنها سراب فيقال
لليهود : ما كنتم تعبدون ؟ قالوا كنا نعبد عزير ابن الله ، فيقال : كذبتم لم يكن لله صاحبة و لا ولد ، فما
تردون ؟ قالوا نريد أن تسقينا ، فيقال اشربوا فيتساقطون في جهنم .
ثم يقال للنصارى ما كنتم تعبدون ؟ فيقولون : كنا نعبد المسيح ابن الله .
فيقال كذبتم لم يكن لله صاحبة و لا ولد ، فما تريدون ؟ قالوا نريد أن تسقينا ، فيقال : اشربوا فيتساقطون في جهنم ، حتى يبقى من كان يعبد الله من بر أو فاجر .
فيقال لهم : ما يحبسكم وقد ذهب الناس ؟ فيقولون : فارقناهم و نحن أحوج منا إليه اليوم . و إنا سمعنا
مناديا ينادي ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون ، و إنا ننتظر ربنا .
قال : فيأتيهم الجبار ، في صورة غير صورته التي رأوه أول مرة ، فيقول أنا ربكم ، فيقولون أنت ربنا ؟ فلا يكلمه إلا الأنبياء ، فيقول هل بينكم و بينه آية تعرفونها ؟
فيقولون : الساق ، فيُكشف عن ساقه فيسجد كل مؤمن و يبقى من كان يسجد لله رياء و سمعه ، فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقاً واحدا ، ثم يؤتى بالجسر فيُجعل بين ظهراني جهنم ، قلنا يا رسول الله : وما الجسر ؟ قال : مدحضة مزلّة عليها خطاطيف و كلاليب و حسكة لها شوكة عقيفة تكون في نجد يُقال لها السعداء .
المرور عليها كالبرق و كالطريف و كالريح و الركاب فناجيٍ مسلّم و ناجيٍ مخدّش و مكدوس في نار جهنم
حتى يمر آخرهم فيُسحب سحبا ، فما أنتم بأشد لىّ مناشدةً في الحق ، قد تبين لكم من المؤمن يومئذ لي جبار
، إذا رأوا أنهم نجو في إخوانهم يقولون : ربنا إخواننا الذين كانوا يُصلون معنا و يصومون معنا و يعملون
معنا ، فيقول ربنا تعالى : أذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه .
و يحرم الله صورهم على النار ، فيأتون و بعضهم قد غاب في النار إلى قدمه ، و إلى أنصاف ساقيه ،
فيُخرجون من عرفوا ،ثم يعودون فيقول : أذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه ، فيُخرجون من عرفوا ،
قال أبو سعيد ، : فإن لم تُصدقون فاقرؤوا ( إن الله لا يظلم مثقال ذرة و إن تك حسنة يُضاعفها )
فيشفع نبينا و الملائكة و المؤمنون فيقول الجبار: بقية شفاعتي ، فيقبض قبضة من النار فيُخرج أقواماً قد
انتهشوا ، قبُلقون في نهرٍ بأفواه الجنة يُقال له( ماء الحياة )، فينبتون في حافتيه كما تنبت الحبة في حميل
السيل ، قد رأيتموها إلى جانب الصخرة و إلى جانب الشجرة ، فما كان إلى الشمس منها كان أخضر و ما كان
منها إلى الظل كان أبيض ، فيخرجون كأنهم الؤلؤ ، فيُجعل في رقابهم الخواتيم فيدخلون الجنة فيقولن أهل
الجنة : هؤلاء عُتقاء الرحمن أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه و لاخير قدموه ، فيقال لهم : لكم ما رأيتم و
مثله معه ، ) أو كما قال عليه الصلاة و السلام ..
::*::
أيها المؤمنون إن هذا الحديث مُنبأ عن سعة رحمة ربنا عز و جل ، و إنه حريٌ بعبد يتحدث عن الرحمة أن لا يغفل ذكر هذا الحديث .
كما أنه يُبين ما كان عليه سيد الأولين و الآخرين محمد صلى الله عليه و سلم من رحمة .
فإن الله جل و علا نعته بقوله : (
ووصف رسالته كلها بقوله : ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين )
ووصفه تبارك و تعالى بقوله : ( و إنك لعلى خلق عظيم )
و من عرف ما هو الخلق العظيم عرف أن من أعظم جوانب الخلق أن يكون الإنسان رحيما رؤوفا بمن حوله .
و نبينا صلى الله عليه و سلم كان رحيماً بأزواجه ، رحيماً بأهل بيته ، قطع خطبته من أجل الحسن و الحسين
حمل أُمامة بنت أبي العاص وهو يصلي ، يحملها إذا قام و يضعها إذا ركع و سجد صلوات الله و سلامه عليه .
كان يزور الأنصار في دورهم ، و يمسح على رؤوس أطفالهم ، و يداعب بعضهم ، بل إن الموتى في قبورهم كان صلى الله عليه و سلم يأتي إلى بقيع الغرقد فيدعو الله جل و علا لأهله و يستغفر الله لهم . فعل ذلك مراراً و تكرارا .
ولما كان بأخريات حياته صلوات الله و سلامه عليه ، زار حتى الشهداء الذي كانوا قد شهدوا أُحداً و استشهدوا
فيها ، فزار قبر حمزة بن عبد المطلب عمه صلى الله عليه و سلم ، و زار إخوانه من الشهداء الذين قُبروا إلى جواره .
بل إن رحمته صلى الله عليه و سلم شملت القريب و البعيد ، و العدو و الصديق ، بل و شملت الإنس أجمعين و الحيوان و الطير .
و أخبر صلى الله عليه و سلم أن امرأة دخلت النار بسبب هرة حبستها فلا هي بالتي أطعمتها و لا هي بالتي تركتها تأكل من خشاش الأرض .
و من تأمل سيرته العطرة صلوات الله و سلامه عليه ، وجد هذه الأمور التي قلناها إجمالا .
كان صلى الله عليه و سلم أرحم الخلق بالخلق ، و أنصح الناس بالناس .
::*::
أيها المؤمنون ، إن الله جل و علا أراد من المؤمنين أن يكونوا متوادين ، متراحمين يحب بعضهم بعضا ، ولما
كان الله لم يترك عباده سُدْا و لم يخلقهم عبثاً ، شرع لهم من الأمور و الطرائق و الأساليب ما يعينهم على
تطبيق هذا الأمر ، و ما يجعلهم متوادين متراحمين .
::*::
من تلك الطرائق و تلك الأساليب الشرعية :
صلة الرحم ، و إطعام الطعام ، ورعاية اليتيم ، و العفو عند المقدرة ، و قضاء حوائج المساكين ، و المقعدين ، و عيادة المرضى ، و ما إلى ذلك …………
::*::
::*::
صلة الرحم
::*::
فقد جاءت الآيات الصريحة ، في بيان أنها من أعظم ما أمر الله به أن يوصل .
و الرحم / اسم جامع لمن كان يجمعهم رحم واحدة من ذوي قرابته .
قال الله تبارك وتعالى : ( و الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ) .
وقد أجمع أهل العلم على أن أعظم ما أمر الله به أن يوصل ( صلة الرحم )
وقد بين أهل العلم رحمهم الله ، أن الإنسان في هذا الأمر واحدٌ من ثلاث :
1 – أن يصل الإنسان قوماً قطعوه ، وهذا في منزلة العارية من الصلة .
2 – أن يصل الإنسان قوماً من رحمه ،وصلوه و هذا بمنزلة المكافئ .
3 – أن يقطع الإنسان قوماً قطعوه فهذا آثم .
و هناك مسألة رابعة أشد إثماً :
4 – وهو أن يقطع رحم أقوامٍ وصلوه .
وهذا و العياذ بالله في منزلة أقل و في الإثم أعظم .
و الإنسان إذا تأمل حال المسلمين اليوم ، وجد أنهم فرطوا في هذا الأمر أيّما تفريط ، بل إن لو أن خطيباً من
الخطباء و إماماً من الأئمة متحدثاً بعد الصلاة تكلم في هذا الأمر لظن الناس أنه تكلم في مسائل عفا عليها
الزمن ، و أنها لا تناسب لغة العصر ، و لا مستجدات الفكر ، و أن دين الله عز و جل الذي أنزله على محمد
صلى الله عليه وسلم
هو الذي نتعبد الله به نحن اليوم ، وهو الذي تعبد الله به الخلائق إلى قيام الساعة
بل إن الله جل و علا أخبر أن قطيعة الرحم فسادٌ في الأرض
و لذلك قال صلى الله عليه و سلم : ( إن الله لمّا فرغ من الخلق ، قالت الرحم : هذا مقام العائذ بك من القطيعة ،
فقال لها ربنا جل جلالة : نعم أما ترضين أن أصل من وصلك و أقطع من قطعك ؟
قالت : نعم . قال : فهذا لكِ )
قال صلى الله عليه و سلم : ( اقرؤوا إن شئتم :
[ فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض و تقطعوا أرحامكم ]
::*::
يبقى سؤال يطرحه الناس جميعاً :
ما الميزان الذي نضبط به صلة الرحم ؟
فنقول و الله تعالى أعلم :
ما نحفظ فيما نحفظ ميزاناً دقيقاً لهذا الأمر ، لكن أهل العلم قالوا :
إن أقل الصلة الكلام و السلام و التحدث .
على أنه ينبغي أن يُعلم أن ذوي قرابتك يتفاوتٌ فيما بينهم ، فإذا كان لك ذوي قرابة في يُسرٍ من العيش و
كثرةٍ من الولد و أمنٍ من الحياة فإن صلتهم تكون في المواسم و الأعياد و ما بين ذلك ، أما إن كان لك ذوي قرابة
فيهم من الفقر و الحاجة إلى العون ، و النأي في السكن ، وما إلى ذلك ، فإن الصلة هنا تتأكد في حقهم .
فينبغي على المؤمن أن يكون أرحامه و أقربائه أولى الناس به .
::*::
عندما سأل معاذ النبي صلى الله عليه و سلم دلني على عمل يقربني من الجنة و يبعدني من النار .
قال له النبي صلى الله عليه و سلم :
( لقد سألت عن عظيم و إنه ليسير على من يسره الله عليه ،)
- فسمى النبي صلى الله عليه الفوز بالجنة و النجاة من النار سماه أمر عظيم –
و إن المؤمن إذا حرص على تعليم الناس و إرشادهم إلى طرق الحق و الصواب دخل في ضمن قوله صلى الله عليه و
سلم كما في حديث أبي أمامة عند الطبراني ،
قال النبي صلى الله عليه و سلم : ( إن الله و ملائكته و أهل سماواته و حتى النملة في جحرها ، و الحوت في البحر ، ليصلون على معلم الناس الخير )
و ليس تعليم الناس الخير مقتصر على المحاضرات و الدروس المعلنة ، بل إن طرق الحق لم تكن يوماً مقصورةً على أحد ، بل إن الكلام الموجز بعد الصلاة ، و الرسائل الشفهية الخاصة ، الرسائل الكتابية الخاصة ، و تكليم الناس مشافهةً أفراداً و جماعات ، و إهداء شيء من الأشرطة ، و الكتيبات النافعة ، للمؤمنين كل ذلك
داخل في تعليم الناس و إرشادهم .
فقد يكون الإنسان غير قادر أن يبين للناس علمه ، يُعطى في الكتابة أكثر مما يُعطى في الحديث ، فيكتب لمن
حوله ، وقد يُعطى من المال ما يعينه على أن يُهدي للناس أموراً نافعة تعينهم على أمر دينهم و دنياهم ،
على أن هناك لباساً يجب أن يتحلى به من تصدى لتعليم الناس و إرشادهم ، ألا وهو الرفق .
يقول صلى الله عليه وسلم : ( وقد مر عليه ملأ من اليهود فقالوا : السام عليك – أي الموت – فقال صلى الله
عليه و سلم : و عليكم ، فغضبت أمنا أم المؤمنين عائشة و كانت حاضرة فقالت : و عليكم اللعنة – أو كلمة
نحوها – فقال صلى الله عليه و سلم لعائشة :
كان غير هذا أولى بكِ ، قالت أما سمعت ما قالوا ؟ قال : أما سمعتِ ما قلت ؟
ثم قال : إن الرفق ما كان في شيءٍ إلاّ زانه ، و ما نزع منشئٍ إلا شانه )
::*::
العفو عند المقدرة
::*::
الإنسان أيها المؤمنون في هذه الدنيا يعيش و حوله أعداء و حوله حساد و حوله أصدقاء و حوله أحباب وخلان و حوله من سائر الناس ما لا يمكن إحصاء عددهم .
العفو عند المقدرة قد يتأكد عند الملوك ، و الأمراء و الولاة ، و السلاطين ، وذوي الجاه أكثر مما يتأكد عند العامة ، لأن الله مكن لهم في الأرض واتاهم من الأمور المادية المحسوسة ما يعينهم على البطش .
ولذلك ذكر أن المعتصم الخليفة العباسي قدم إليه برجل يقال له تميم الأوسي والظاهر أن تميماً قد
أجرم جرماً في حق المعتصم ربما خرج عليه أو أتهمه بشي إلى ذلك فكان المعتصم قد بيّت النية في نفسه أن
يقتله فأمر حراسه و جنوده أن يأتوا بالنطع أي الجنت و بالسيف و أظهره على الملأ و أتى بتميم الأوسي
ووضعه على النطع ليضربه ، ثم أراد أن يختبر أين جنانه من لسانه ،
فقال : يا تميم كيف أنت الساعة ؟
فقال ذلك الرجل ، وقد قلب رجلا فصيحاً ثابت الجنان قال :
أرى الموت بين السيف و النطع كامنا يلاحظني من حيث ما أتلفتُ
و أكبر ظني أنك اليوم قاتلي و أيُّ امرئ مما قضى الله يفلتُ
يعز على الأوس ابن تغلب موقفٌ يسل علي السيف فيه و أسكتُ
و ما جزعي من إن أموت و إنني أعلم أن الموت شيء موقتُ
ولكن خلفي صبيةٌ قد تركتهم و أكبادهم من حسرة تتفتتُ
كأني أراهم حين أُنع إليهم وقد خمشوا تلك الوجوه و صوتوا
فإن عشتُ عاشوا سالمين بغبطةٍ أذود الردى عنهم و إن متُ موّتُ
فرق المعتصم لحاله و قال : قد تركناك لله أولاً ثم للصبية .
على أنه أحسن مما قلناه كله قول ربنا جل و علا :
( و لا تستوي الحسنة و لا السيئة أدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك و بينه عداوة كأنه ولي حميم * وما
يلقاها إلا الذين صبروا و ما يلقاها إلا ذو حظٍ عظيم * و إما ينزغنك من الشيطان نزغٌ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم )
قال العلماء : عدو الرجل واحد من اثنين ( إما أنسي و إما جني )
وقد بينه الله في الآيات .
فإن كان إنسياً فادفعه بالتي هي أحسن سينقلب صديقاً حميماً لك اللهم إلا أن تكون عداوته من حسد ، فإن من عاداك من حسد غالب الظن أن لا تُرجى مودته أبداً .
و إن كان جنياً أي من الشياطين فاستعذ بالله منه ، ( وقل ربي أعوذ بك من همزات الشياطين و أعوذ بك ربي أن يحضرون )
فهذا حال الرجل المؤمن أمام خصومه و أعدائه .
على أن هناك نقطة مهمة ينبغي أن تُلاحظ لأن الأمر ليس على إطلاقه ، قد يكون من عاداك عدواً لله عدواً
لرسوله فليس الذي هو أحسن إكرامه بل الذي هو أحسن إهانته ، وقد ورد أن النبي صلى الله عليه و سلم أسر
أحد مشركي قريش في معركة بدرٍ ، ثم عفا عنه ، قال يا رسول الله رجلٌ كبير ولي صبية وما إلى ذلك ، فعفا عنه صلى الله عليه و سلم فأخذ يمشي في طرقات مكة و يمسح عارضيه و يقول :
سخرتُ من محمد . صلى الله عليه و سلم .
ثم لما قُبض عليه في معركةٍ أُخرى قال يا رسول الله : إن ورائي صبية و ورائي و ورائي ….
قال من للصبية يا محمد ؟ قال : لهم الله .
فرده كان حازماً محكماً لأنه ليس كل شخص ينفع معه الأمر الحسن .
لكن قدم الحسن في الأول و ثانياً و ثالثاً ولكن آخر الداء كيّ وهذا يكون مع أعداء الله و خصومة .
::*::
الإحسان إلى اليتامى
::*::
اليتيم في الاصطلاح / من فقد أباه و هو صغير . هذا في الاصطلاح العرفي و اللغوي .
و الله جل و علا علم حال هؤلاء اليتامى و علم حاجتهم إلى الرفق لأن قضيتهم قضية إجبارية فلا يوجد يتيم
فقد والده بطوعٍ منه و اختيار ، و لذلك أمر الله عباده أن يُحسنوا إلى اليتامى ،
قال الله جل و علا : ( و يسألونك عن اليتامى قل إصلاحٌ لهم خير و إن تخالطهم فإخوانكم … )
عن المعصوم صلى الله عليه و سلم في أن الإحسان إلى اليتامى أمر عظيم من ذلك و هو أرفعها مقاماً :
أن يكفل العبد المؤمن يتيماً في بيته ، فيطعمه و يسقيه و يقوم بقضاء شؤونه و حوائجه و يحرص على تعليمه و إرشاده .
وهذا في منزلة أعلى ,
قال صلى الله عليه و سلم : ( أنا و كافل اليتيم في الجنة كهاتين في الجنة و أشار إلى أُصبعية السبابة و الوسطى وفرج بينهما )
و أيّ امرئ يستكبر و يرغب أن لا يكون جاراً لمحمد صلى الله عليه و سلم في جنات النعيم !!!!
بل إنه صلى الله عليه و سلم أخبر بمنزلةٍ أدنى وهي أن الإنسان قد لا يكون في بيته يتيم ولكن قد يمر به يتيم أو يرى يتيماً في الطرقات ،
فأخبر صلى الله عليه و سلم : ( أن من مسح بيده على رأس يتيم له بكل شعرة لمستها يده حسنات )
بل إنه جاء رجلُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو قسوة قلبه ،
فقال صلى الله عليه و سلم له : ( أمسح على رأس اليتيم و صل رحمك )
فجعل المسح على رأس اليتيم مما ترقق به القلوب و يقرب به العبد من رضوان الله جل و علا .
سمح الله للأوصياء أن يأكلوا من أموال اليتامى بالمعروف إن كانوا فقراء ، و أن يصرفوا عليهم و المال مسترد .
إلا أن الله جل و علا حذر الأوصياء على أموال اليتامى من أمرين :
* أن يأكلوا من أموال اليتامى بغير وجه حق .
قال جل ذكره : ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً و سيصلون سعيراً …. )
* حذرهم الله من أن يبدلوا أموالهم الخبيثة بأموال اليتامى الطيبة .
قال الله جل و علا : ( و لا تبدلوا الخبيث بالطيب و لا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم … )
مسألة الوصاية على مال اليتيم مسألةٌ عظيمة .
::*::
الإحسان إلى الجار
::*::
يقول صلى الله عليه و سلم : ( و الله لا يؤمن و الله لا يؤمن و الله لا يؤمن ، قال الصحابة على ولهٍ و شغف ، من يا رسول الله ؟ قال : من لا يأمن جاره بوائقه . قالوا وما بوائقه يا رسول الله ؟ قال : شره )
إن المدنيّة المعاصرة قد أغفلت الكثير من مسألة حقوق الجار ، و إن من تأمل سيرة النبي صلى الله عليه و سلم و
أصحابه و ما كانوا عليه من ترابط وحدوي و تآلف في جيرانهم و بين قلوبهم و أفئدتهم بكى حسرة على حال المؤمنين اليوم .
و لكن ما زال في الأمة بقيةٌ من خير .
و إن الإحسان إلى الجار يتمثل في أمورٍ عدة :
* أن تُشاركه في طعامك .
قال صلى الله عليه و سلم : ( يا أبا ذر إذا طبخت مرقةً فأكثر مائها و تعاهد جيرانك )
* أن لا ينال جارك منك شرٌ أو أذى .
* أن تحرص على الإهداء إليه .
* أن تحرص أن تتفقد جارك بين الحين و الآخر .
فإن رأيته في بيته أو على بعض أهله شيء من المنكرات فإنه حريٌ بك أن تتقي الله في دينه
فتذهب إليه و تنصحه بالحسنى و تذكره الله و الدار الآخرة ، و تقدم له من الدلائل القرآنية و السنة النبوية ما يعينه على ترك الأمر .
::*::
إطعام الطعام و الإحسان إلى الفقراء و المساكين
::*::
الله جل و علا جعل هذه الحياة الدنيا فيها الأبرار و فيها الفجار ، فيها الغني المترف و فيها الفقير المُعدم ، وفيها المسكين و ذوي الحاجة .,
و الله لم يخلق شيئا عبثا ، يبتلى الفقير ينظر إلى الغني يصبر أو لا يصبر ، و الغني ينظر إلى حال الفقير
يعطيه و يتصدق عليه أم لا يعطيه و لا يتصدق عليه .
( وجعلنا بعضكم لبعضٍ فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا )
و إن إطعام الفقراء و المساكين أمر أمر الله به و أمر رسوله صلى الله عليه و سلم ، لأن في هؤلاء الفقراء و المساكين الأجر العظيم من الله جل و علا .
كان عبد الله بن جذعان في الجاهلية له ما يسمى بالجفلات توضع فيها الأطعمة ، فكان له جفلات عالية يأكل
منها الراكب ، و جفلات أدنى يأكل منها الماشي ، و جفال أدنى يأكل منها القاعد ، و يذبح في يوم عرفة ألف بعير يطعم الناس ، لكنه لم يكن موحداً ، كان هذا العمل كله هباء منثورا .
قالت عائشة رضي الله تعالى عنها : يا رسول الله أينفعه عمله ذاك ؟
قال : إنه يا عائشة لم يقل يوماً من الدهر ( رب أغفر لي خطيئة يوم الدين ) .
و لما جاء الإسلام حث المؤمنين على إطعام الطعام ، قال صلى الله عليه و سلم ينبئ في حديث
أبي أيوب الأنصاري لما أطعم أبو أيوب و زوجه ذلك الضيف قال لهما عليه الصلاة و السلام :
( لقد عجب الله من صنيعكما لضيفكما الليلة )
قال صلى الله عليه و سلم : ( و رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه )
و قال جل و علا ( فلا اقتحم العقبة * و ما أدراك ما العقبة ) ثم بيّن جل و علا فقال :
( و ما أدراك ما العقبة * فك رقبة * أو إطعام في يوم ذي مسغبة ) إطعام من ؟
( يتيماً ذا مقربة أو مسكيناً ذا متربة )
ذا مقربة / أي ذا قرابة
ذا متربة / أي التصق بالتراب من شدة فقره و حاجته إلى المال .
و منظر الإطعام في شهر رمضان في الحرمين و ما كان عليه كثير من الشباب من مد السفر للمؤمنين الصائمين كل ذلك من جلائل الأعمال ، فإن إفشاء السلام و إطعام الطعام و الصلاة بالليل و الناس نيام
قربات عظيمة أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه و سلم أنها من أسباب دخول المؤمن الجنة ، ومن
أسباب رضوان الله تبارك و تعالى على عباده .
::*::
::*::
ماذا يجني الإنسان من هذا كله ؟
وما الذي يناله الإنسان إذا حرص على هذا الأمر فبذل فيه طاقته و جهده ؟
يكفيك أن تعلم أن نبينا صلى الله عليه و سلم قال :
(
و أن نبينا صلى الله عليه و سلم قال :
( من لا يَرحم لا يُرحم )
وقال صلى الله عليه و سلم : لما قال له الأقرع بن حابس :
أتقبلون صبيانكم ؟ قال : ( نعم )
فقال الأقرع : إن لي عشرة من الولد ما قبلة منهم أحدٌ قط .
فقال صلى الله عليه و سلم : ( أو أملك إن نزع الله الرحمة من قلوبكم )
إننا جميعا فقراء إلى رحمة الله جل و علا ، و إن من الأسباب الموجبة لرحمة الله تبارك و تعالى
وفضله أن يكون العبد حريصاً على رحمة إخوانه المؤمنين ، قائماً بشؤونهم متفقداً لأحوالهم
يهمه ما أهمهم ، يحرص على منافعهم ، و إن العبد إذا وقف في عرصات بين يدي الله يوم القيامة
وجد ذلك العمل شاهداً له بين يدي الله جل و علا فينجيه الله تبارك و تعالى بفضله و رحمته .
أسأل الله جل و علا في الختام أن ينفعنا و إياكم بما علمنا و أن يعلمنا و إياكم ما ينفعنا
و أن يجعلنا جميعاً مؤمنين متراحمين متوادين نقول بالرحمة و نعمل بها
ونسأله تبارك و تعالى أن يغفر لنا مواطن الزلل و أن يُلبسنا من الإيمان الحلل
سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام على المرسلين و الحمد الله رب العالمين .
::*::
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : ( تفريغات ) أشرطة ؛ | السمات:( تفريغات ) أشرطة ؛
دوّن الإدراج
























