قول ربنا جل وعلا
( رحماء بينهم )
هذا الجزء من الآية حكاه الله جل وعلا في القرآن منبئاً أنه وصف أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم
ذلكم الجيل الأمثل والرعيل الأول الذين أيد الله بهم دينه ونشر الله بهم ذكره في الأرض
وآزر بهم العضد خير الأنبياء والمرسلين محمداً صلى الله عليه وسلم
فقال ربنا وأخبر أنه أثنى عليهم في كتابين من قبل القرآن من التوراة والإنجيل
فقال جل جلاله (
محمد رسول الله و الذين معه أشد على الكفار رحماء بينهم … الآية)
وهذا الوصف الرباني الذي وصف بهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نحن مقتفون على آثارهم
وملزمون بهدي محمد صلى الله عليه وسلم ومن تبع هديه من أصحابه وأتباعه إلى يوم الدين
لذلك فإن الحديث عن الرحمة وأساليب التراحم بين المؤمنين نرى والله تعالى أعلم من الأمور
التي يجب نشرها للناس وتعليمها للعامة والخاصة وإلا كيف لنا أن نقتدي بالرسول الأعظم
صلى الله عليه وسلم ونقتدي بأصحابه ونحن نجهل أقوالهم ولا ندري عن أفعالهم
فإن التشبه بالصالحين يقرب منهم والمؤمنون أجمعين إنما يتعبدون الله جل وعلا
بما أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم
فذلكم هو الدين الذي أمر الله عباده بأن يتبعوه وأن يتعبدوا به
والحديث عن الرحمة أيها المؤمنون لا يمكن أن يتحدث به أحد دون أن يتكلم فيه عن أمرين جليلين عظيمين
الأول/
الحديث عن سعة رحمة ربنا جل جلاله والثاني/
الحديث عن سعة وما كان عليه محمد صلى الله عليه وسلم من رحمة فطره
الله عليها وجبله الله تعالى عليها .
::*::
أما الحديث عن رحمة أرحم الراحمين جل جلاله فإنه ما رحم أحدُ أحداً إلا بفضل من الله ورحمة
و إن الله عز و جل خلق الرحمة مائة جزء ، كما صح الخبر عن الصادق المصدوق صلى الله عليه و سلم ،
فأمسك ربنا تسعة و تسعين جزء عنده ، و أنزل جزءا واحدا يتراحم به الخلائق ،
قال صلى الله عليه و سلم : ( حتى إن الدابة لترفع حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه ، )
من ضمن هذه الرحمة التي أنزلها الله عز و جل للخلق يتراحمون بها فيما بينهم ، و النبي صلى الله عليه و سلم اخبر ،أن الله كتب في كتب و هو عنده تحت العرش ، ( أن رحمتي تغلب غضبي ) ،
( قل لمن ما في السموات و الأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ……. )
بل أخبر جل جلاله أن رحمته لا يضيق بها شيء أبدا ،
قال ( عذابِ أُصيب به من أشاء و رحمتي وسعة كل شيء)
ولذلك كان الصالحون من قبلنا يقولون في دعائهم :
(اللهم إن لم نكن أهلا لأن ترحمنا ، فإن رحمتك أهلٌ لأن تسعنا ) و قد صدقوا فيما قالوه .
::*::
::*::مظاهر رحمة الله ::*::
*رحمة شملت المؤمنين و الكفار ، الأبرار و الفجار ، الخلائق أجمعين ، إنساً و جناً و طيراً و غير ذلك …
فهذه رحمته عز و جل الشاملة .
و من أعظم الدلائل عليها ، خلق الليل و النهار ، و تسخير الشمس و القمر
، و جريان الفلك في البحر بأمر الله تعالى ، تسخيراً لعباده و إنزال المطر رحمة بعباده كل ذلك من رحمة الله
الشاملة للعباد أجمعين .
( ألم ترى إلى ربك كيف مد الظل و لو شاء لجعله ساكن … )
::*::
رحمته تبارك و تعالى بالمؤمنين
::*::
أعظم رحمة أن هداهم للإيمان ،فلا يعدل الإيمان أي نعمة ، لأن الإيمان هو القسيم بين أهل الجنة و أهل النار
، فمن منّ الله عليه بالهداية لدينه ، فقد رحمه الله رحمةً عظيمة من عنده ، و نحن أيها المؤمنون شملنا الله
برحمة أخص ، انه جعلنا من أمة محمد صلى الله عليه و سلم .
فنبينا صلى الله عليه و سلم حظنا من النبيين ، و نحن حظه من الأمم صلوات الله و سلامه عليه بكرة و أصيلا .
رحمة الله لعباده المؤمنين إنما ينال المؤمنون منتهاها إذا زحزحوا عن النار و أدخلوا الجنة ،
قال ربنا : (فمن زحزح عن النار و أدخل الجنة فقد فاز . )
فهذا هو الفوز العظيم ، ورحمة الله تبارك و تعالى إنما تتجلى أعظم ما تتجلى ، في يوم الفزع الأكبر ، و في عرصات يوم القيامة ، عندما يقف الخلائق أجمعين ، بين يدي رب العالمين جل جلاله .
عن أبي سعيد الخدري
( قال: قلنا يا رسول الله ، هل نرى ربنا يوم القيامة ،؟
قال : هل تضارون في رؤية الشمس و القمر إذا كانا صحوا ، قلنا لا ، قال : فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ إلا كما تضارون في رؤيتهما ، ثم قال ينادي منادي ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون ، فيذهب
أصحاب الصليب مع صليبهم ، و أصحاب الأوثان مع أوثانهم ، و أصحاب كل آهلة مع آلهتهم ، حتى يبقى
من كان يعبد الله من بر و فاجر وغبرات من أهل الكتاب ، ثم يؤتى بجهنم ، عرض كأنها سراب فيقال
لليهود : ما كنتم تعبدون ؟ قالوا كنا نعبد عزير ابن الله ، فيقال : كذبتم لم يكن لله صاحبة و لا ولد ، فما
تردون ؟ قالوا نريد أن تسقينا ، فيقال اشربوا فيتساقطون في جهنم .
ثم يقال للنصارى ما كنتم تعبدون ؟ فيقولون : كنا نعبد المسيح ابن الله .
فيقال كذبتم لم يكن لله صاحبة و لا ولد ، فما تريدون ؟ قالوا نريد أن تسقينا ، فيقال : اشربوا فيتساقطون في جهنم ، حتى يبقى من كان يعبد الله من بر أو فاجر .
فيقال لهم : ما يحبسكم وقد ذهب الناس ؟ فيقولون : فارقناهم و نحن أحوج منا إليه اليوم . و إنا سمعنا
مناديا ينادي ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون ، و إنا ننتظر ربنا .
قال : فيأتيهم الجبار ، في صورة غير صورته التي رأوه أول مرة ، فيقول أنا ربكم ، فيقولون أنت ربنا ؟ فلا يكلمه إلا الأنبياء ، فيقول هل بينكم و بينه آية تعرفونها ؟
فيقولون : الساق ، فيُكشف عن ساقه فيسجد كل مؤمن و يبقى من كان يسجد لله رياء و سمعه ، فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقاً واحدا ، ثم يؤتى بالجسر فيُجعل بين ظهراني جهنم ، قلنا يا رسول الله : وما الجسر ؟ قال : مدحضة مزلّة عليها خطاطيف و كلاليب و حسكة لها شوكة عقيفة تكون في نجد يُقال لها السعداء .
المرور عليها كالبرق و كالطريف و كالريح و الركاب فناجيٍ مسلّم و ناجيٍ مخدّش و مكدوس في نار جهنم
حتى يمر آخرهم فيُسحب سحبا ، فما أنتم بأشد لىّ مناشدةً في الحق ، قد تبين لكم من المؤمن يومئذ لي جبار
، إذا رأوا أنهم نجو في إخوانهم يقولون : ربنا إخواننا الذين كانوا يُصلون معنا و يصومون معنا و يعملون
معنا ، فيقول ربنا تعالى : أذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه .
و يحرم الله صورهم على النار ، فيأتون و بعضهم قد غاب في النار إلى قدمه ، و إلى أنصاف ساقيه ،
فيُخرجون من عرفوا ،ثم يعودون فيقول : أذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه ، فيُخرجون من عرفوا ،
قال أبو سعيد ، : فإن لم تُصدقون فاقرؤوا ( إن الله لا يظلم مثقال ذرة و إن تك حسنة يُضاعفها )
فيشفع نبينا و الملائكة و المؤمنون فيقول الجبار: بقية شفاعتي ، فيقبض قبضة من النار فيُخرج أقواماً قد
انتهشوا ، قبُلقون في نهرٍ بأفواه الجنة يُقال له( ماء الحياة )، فينبتون في حافتيه كما تنبت الحبة في حميل
السيل ، قد رأيتموها إلى جانب الصخرة و إلى جانب الشجرة ، فما كان إلى الشمس منها كان أخضر و ما كان
منها إلى الظل كان أبيض ، فيخرجون كأنهم الؤلؤ ، فيُجعل في رقابهم الخواتيم فيدخلون الجنة فيقولن أهل
الجنة : هؤلاء عُتقاء الرحمن أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه و لاخير قدموه ، فيقال لهم : لكم ما رأيتم و
مثله معه ، ) أو كما قال عليه الصلاة و السلام ..